Al Manbar

غياب الثقة بين أهل السلطة يُعّقد الحل

روزانا بو منصف | جريدة النهار |
12 تشرين الثاني 2019

على رغم الإلحاح الذي يفرضه تأليف حكومة جديدة ترفد ما أعلنه حاكم مصرف لبنان رياض سلامه ازاء تهدئة الهلع على الصعيد المالي وترك الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله الباب مفتوحا أمام المفاوضات القائمة حول الحكومة العتيدة، يخشى ألا ينجح أي ترميم للتسوية السياسية التي أرسيت بانتخاب العماد ميشال عون، وهو أمر سينسحب على الحكومة التي يمكن ان تشتري بعض الوقت للبنان، لكنها لن تأتي بحلول. وينقل زوار مطلعون من قصر بعبدا رؤية للانتفاضة الشعبية الحاصلة على الارض توازي المنطق نفسه الذي قال به حليفه الشيعي الذي عاد فخفف منه، وهو ان هذه الانتفاضة تقف خلفها مؤامرة اميركية اسرائيلية على ذمة هؤلاء الزوار، هدفها تركيع لبنان وافشال العهد كما ينقل. وفي السياق نفسه، لا ينقل أي حماسة ازاء اعادة تكليف الرئيس سعد الحريري برئاسة الحكومة العتيدة على عكس الحماسة التي يبديها الرئيس نبيه بري، وحتى "حزب الله"، أقله ظاهريا. هذا لا ينفي أن هذه النقطة تشكل مأزقا للرئيس عون، فيما يفاوض ممثلان للثنائي الشيعي الرئيس الحريري، ويشيع سياسيون قريبون منه أن التشدد في موضوع التفاوض يرتكز على ان الحريري يرغب ضمنا في العودة الى رئاسة الحكومة، وهو ما يمنح الآخرين أوراقا للتشدد في عدم تلبية شروطه حول طبيعة الحكومة او شكلها. وهذا المأزق عبر عنه في الدعوة الى اجتماع مالي في قصر بعبدا لوزراء من حكومة تصريف الاعمال، من دون رئيس حكومة تصريف الاعمال، في رسالة عكست النيات التي يضمرها عون ازاء الحريري، على رغم ما أثارت خطوته من انزعاج لدى الطائفة السنية امتنع اركانها عن ابداء اي موقف علني في هذه المرحلة. والامر نفسه ينسحب على محاولة تأليف الحكومة قبل الدعوة الى استشارات نيابية ملزمة، في تجاوز خطير للدستور مصحوب بتجاوز آخر حول استطلاع رئيس الجمهورية ما هو متاح من اسماء شخصيات سنية يمكن ان تتولى رئاسة الحكومة بدلا من الحريري، من اجل ان يختار من بينها وفق ما بلغت معلومات الى بعض السياسيين في هذا الاطار، علما ان النواب والكتل النيابية هي من يختار ويسمي الرئيس العتيد للحكومة وليس رئيس الجمهورية الذي لا يعود اليه اختيار رئيس الحكومة كما كان الوضع قبل اتفاق الطائف.

والانزعاج في قصر بعبدا يراه هؤلاء السياسيون مرتبطا بداية باستقالة الحريري تلبية لضغط الشارع، على غير ما كان يريده عون والثنائي الشيعي، ثم باستخدام الحريري ورقة الحاجة الماسة اليه في رئاسة الحكومة وعدم القدرة على الاستغناء عنه من اجل تحسين شروطه في موضوع الحكومة العتيدة او على الاقل محاولته ذلك، ومن ضمن شروطه كان استبعاد رئيس التيار العوني جبران باسيل عن الوزارة، والذي سيشكل مكسبا للانتفاضة التي طالبت بحكومة تكنوقراط وابعاد الوجوه السياسية الاستفزازية. وفيما كان باسيل بدأ مرحلة اعادة التفاوض مع الحريري على ان يتولى رئيس التيار العوني نقل حصيلتها الى "حزب الله"، فإن الفشل نقل المسألة الى مفاوضات مباشرة بين ممثلين للثنائي الشيعي والحريري، على أن يؤدي الحزب دورا في إقناع حليفه المسيحي بما قد يتم الاتفاق عليه في حال حصل ذلك. إلا أن هذا الامر لا يعني ان الحزب لا يتشارك مع رئيس الجمهورية رؤيته للانتفاضة، وقد ساهم ما يحصل في العراق في التأثير سلبا على طبيعة الانتفاضة في بيروت وفهمها على أنها انفجار لمطالب شعبية مزمنة واحتقان متراكم، بل هما على الموجة نفسها والمنطق نفسه في ظل خشية إضافية للحزب من استهدافه واستهداف إيران، على خلفية ما يحصل في العراق. ومن هنا تمسكه أكثر فأكثر بالرئيس عون والضغط على الحريري للقبول بشروط الاثنين معا، أي حكومة لا تكون فقط من الاختصاصيين كما يطالب الحريري، بل من سياسيين أيضا، بحيث لا يبدو الحزب متنازلا عن المكتسبات التي حققها. ومن هنا الكلام على عدم الانقلاب على نتائج الانتخابات النيابية، على رغم أن 51 في المئة من الشعب اللبناني لم يصوت لهذه الطبقة السياسية في الانتخابات النيابية الاخيرة، رفضا لقانون الانتخاب. إلا أنه يخشى ألا تكون هناك رغبة في إعطاء المنتفضين ما يريدون، بدليل الكلام على عدم وجود توافق على المطالب التي يرفعونها في موازاة الدفع باتهامات الفساد من جهات سياسية في اتجاه الآخرين، أو ما يبدو او يحتمل أن يكون هدفا في المرحلة المقبلة في حال لم تسر المفاوضات حول الحكومة كما يجب.

يصعب أن يملك الحريري عوامل طمأنة الحزب من استهدافه، في الوقت الذي اصر نصرالله على مؤشرات القوة وعدم استضعاف المحور الذي ينتمي اليه والذي استحضره مجددا في سياق تأكيد ما بات يتمتع به الحوثيون او قدرة ايران وانتصار المحور الذي ينتمي اليه على خلفية توجيه الاصابع بشكل واضح الى الولايات المتحدة بمسؤوليتها عما يحصل من صعوبات اقتصادية وتهديدات مالية في لبنان الى جانب التضييق على انفراج يعيد وصل لبنان بسوريا والعراق ما اعتبر خارطة طريق للحكومة العتيدة يضعها امام الحريري من دون ان يهمل اتهام من اعتبرهم حلفاء اميركا بالفساد. وهو خطاب يراد منه اعادة لم شمل مناصريه والطائفة الشيعية ككل الا انه يعبر ايضا عن الصراع المفتوح الذي لن يرغب بالتنازل ازاءه ان عبر الحكومة او امام مطالب المنتفضين. ويمكن بصعوبة اللجوء الى تسمية شخصية سنية غير الحريري لكن شراء الوقت اقتصاديا وماليا لن يكون متاحا ما يفسر استمرار التمسك بالحريري اقله راهنا. ولذلك تساور كثر مخاوف من الفوضى الزاحفة ببطء في ظل عدم امكان رأب الصدع الداخلي او بقاء الجمر تحت الرماد وتاليا عدم القدرة على الاستجابة فعلا لمطالب المنتفضين انما في ظل توقعات متشائمة ازاء خطوات امنية يلجأ اليها الحزب او يدفع بها فتجبر الجيش على الانخراط في وضع أمني ضاغط على الارض. فالرئيس بري اصر على عامل "الامن المضطرب" في كلامه عن تأجيل الجلسة التشريعية، وهي اشارة لافتة توقف عندها كثر.

مواضيع ذات صلة

الاستشارات لنقل المسؤولية لا للحل؟
يتمسك تحالف فريق 8 آذار بإعادة تسمية الرئيس سعد الحريري لتأليف الحكومة العتيدة من دون التنازل عن الشروط التي يتمسك بها هذا الفريق وتتيح له استمرار ادارة الحكومة والبلد كما يريد وفق روزنامته الخاصة. وتكشف مصادر سياسية وجود سعي لدى هذا الفريق الى تحديد
19 تشرين الثاني 2019

برّي للحريري: الهروب ممنوع
إنتهى الحراك الشعبي الى انسحاب من الطرقات الى الساحات، وبدأ العراك على كل المستويات لاستيلاد حكومة يفترض أن تكون «أم الحكومات»، لأنّ عليها التصدي لأزمة باتت «أم الأزمات»، ألا وهي الأزمة الاقتصادية والمالية المتفاقمة التي دفعت الناس الى الشارع.
07 تشرين الثاني 2019

التسوية - 2 الحريري - باسيل على أنقاض تسوية عون - الحريري؟
لا يرقى أداء السلطة السياسية بكل مكوناتها الى مستوى الاخطار الكبيرة التي تتهدد البلاد الرازحة تحت وطأة أزمة اقتصادية ومالية غير مسبوقة، تدفع أكثر فأكثر نحو الانفجار الكبير. وما القيود التي تعلن عنها المصارف تباعا على السحوبات والتحويلات
05 تشرين الثاني 2019

استقالة تمنع "أقلمة" لبنان؟
قبل ان يقدم الرئيس سعد الحريري استقالة حكومته في محاولة دراماتيكية لاحتواء الانهيار الكبير تحول لبنان عنوانا من العناوين الاساسية لانتفاضات واضطرابات جوالة في قارات عدة من ابرزها راهنا تلك الجارية في العراق وتشيلي وكاتالونيا ومن خلالها اسبانيا
30 تشرين الأول 2019

قال غــــــــانـــــــدي
مختارات صحافية
المنبر الحر
كاريكاتور
عين المنبر
أسعار العملات
اعرف برجك