Al Manbar

عبث أميركا ومشروع اسرائيل

 غازي العريضي |
08 تشرين الأول 2019

لم يلتق الرئيسان التركي رجب طيب أردوغان والأميركي دونالد ترامب على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك . منذ يومين حصل اتصال هاتفي بينهما ، أكد فيه أردوغان أنه سيبدأ تنفيذ العملية العسكرية في شمال شرق سوريا ، فأصدر البيت الأبيض بياناً جاء فيه : " لن تكون القوات الأميركية متواجدة في منطقة شمال سوريا بعد نجاحها في القضاء على تنظيم " داعش " . إن اسرى " داعش " المحتجزين لدى الجيش الأميركي هناك سيصبحون تحت مسؤولية تركيا . لأن فرنسا وألمانيا ودولاً أوروبية رفضت استلام مقاتليهم الموجودين في صفوف " داعش " . ونحن قلقون على مصير حلفائنا " !!

إنه تعبير بالغ الوضوح والدقة عن خبث السياسة الأميركية . وعدوا أردوغان ب " استعادة السلاح من القوات الكردية " ووعدوا الأكراد ب " حمايتهم " ومنع " تركيا من الاستفراد بهم " . وطلبوا إليهم " عدم التفاهم مع النظام السوري " !! فكيف يمكن التوفيق بين كل هذه الوعود في الموقف الصادر عن البيت الأبيض والذي يعتبر تخلياً عن " الحلفاء الأكراد " الذين " يقلقون عليهم " ؟؟ ولم يستعيدوا السلاح منهم . وسيتركون المنطقة لتندلع مواجهات بينهم وبين الأتراك . مرة جديدة تتخلى أميركا عن الأكراد . تخذلهم . تبيعهم . والمعادلة بسيطة . أميركا تخلت عن " حلفاء أثرياء " في الخليج . تعرضت المملكة السعودية لضربة في " أرامكو " كان رد ترامب واضحاً : " لم أعدهم بالحماية . لديهم الكثير من المال. فليدفعوا ونرى ما هي وسائل الحماية " !! فلماذا لا يتخلون عن الأكراد الفقراء الذي يعتبرون أن لهم قضية وحقوقاً ويقاتلون دفاعاً عن وجودهم ؟؟ وسبق لترامب أن تخلى عنهم في موافقته على تشكيل اللجنة الدستورية التي لا يتمثل فيها الأكراد ولم تنفع مناشدات هؤلاء للمسؤولين الأميركيين وغيرهم لإنصافهم والإقرار بوجودهم على طاولة الحوار ، المفترض أن تناقش مستقبل سوريا . فكانت اللجنة مكسباً للنظام رغم وجود بعض تلاوين المعارضة فيها . ترامب أجاب عن كل ذلك بوضوح : " من المكلف للغاية الاستمرار في دعم القوات الكردية المتحالفة مع الولايات المتحدة في المنطقة التي نقاتل فيها " داعش " وقد قاتل الأكراد معنا . لكن تمّ دفع مبالغ ضخمة من المال والمعدات للقيام بذلك . لقد قاتلوا تركيا منذ عقود . آن الأوان لنخرج من هذ الحروب السخيفة اللامتناهية . يتعين على تركيا وأوروبا وسوريا وإيران والعراق وروسيا والأكراد تحديد الموقف " !!

 يعني ، " بطيخ يكسّر بعضه " . فليكن تقاتل . وفرز ديموغرافي . وحروب عرقية . وتفتيت . وتخبّط . وعراك بين القوى التي سماها . تركيا تتحمل عبء " داعش " " وأسراه " . هو فزاعة في وجه أوروبا . وقد " يفلت " هؤلاء في وجه الأتراك والأكراد والنظام ، وقد يستخدمهم أردوغان ضد أوروبا " وأعدائه " في المنطقة بدفعهم الى مناطقهم . وسيستخدم " النظام " كل هذه الأوراق . إنها الفوضى . والعبثية في الدخول وفي الانسحاب الأميركي . إنها الورطة للجميع . أين الوعود الأميركية بالبقاء لمنع إيران من الهمينة ؟؟ ومنع اكتمال " القمر الإيراني " كما قالوا ؟؟

قوات سوريا الديموقراطية " قسد " أعلنت خيبتها من الموقف الأميركي فقالت : " القوات الأميركية لم تف بالتزاماتها وقد انسحبت من المناطق الحدودية مع تركيا . إن العملية العسكرية ستدمّر كل ما تم تحقيقه من حالة استقرار خلال السنوات الماضية " .

رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي إليوت انغل قال : " إن قرار الرئيس ترامب بالانسحاب هو هدية لروسيا وإيران وتنظيم " داعش " ، وخيانة للقوات الكردية التي كانت شريكاً جيداً ومخلصاً لأميركا . وعرّض أمننا القومي للخطر لصالح استرضاء أردوغان . إن القرار يمهّد الطريق لحمام دم من شأنه أن يجعل الوضع أكثر سوءاً " . من جهتها قالت مندوبة ترامب السابقة في الأمم المتحدة نيكي هايلي : " كان للكرد في سوريا دور فعال في قتالنا ضد الارهابيين . تركهم للموت خطأ كبير . تركيا ليست حليفتنا " .

إيران أعلنت رفضها العملية ، في موقف أكثر وضوحاً من السابق . أكدت حرصها على ضرورة التفاهم مع " الدولة السورية " . وهو موقف ينسجم مع الموقف الروسي الذي يعتبر أي وجود على الأرض السورية يجب أن يكون بالتفاهم مع " الحكومة الشرعية " وإلا يعتبر غير شرعي ويجب عدم بقائه ، وكان كلام حول اعتباره احتلالاً أيضاً !! لكن يبدو أن الروس لم يعلقوا على العملية التركية بعد ، بل أشاروا الى أن " أميركا فقدت ثقة تركيا في سوريا " . وأن ثمة تفهماً روسياً لمصالح تركيا الأمنية دون أن تتعارض مع سيادة ووحدة الأراضي السورية . روسيا وإيران ، أبدتا كل على حدة الاستعداد لإدارة حوار بين تركيا وسوريا للوصول الى تفاهمات تؤكد المبدأ المذكور ، لكن لا شيئ في الأفق حتى الآن !! نحن أمام مرحلة صعبة ومعقدة . مرحلة خلط أوراق . سوف تشهد اصطدامات وخلافات بين " الحلفاء " " والأصدقاء " . سيستفيد النظام ، لكن المستفيد الأكبر من هذه العملية اسرائيل . اسرائيل التي تضمن لنفسها حرية الحركة في الأجواء السورية لضرب " المواقع الإيرانية " ومدّت يدها ووسّعت حركتها الى الأجواء العراقية ، وهي مرتاحة لما يجري هناك اليوم ، والأهم أنها تتفرّد في القرارات في فلسطين وتخاطب " العرب الأصدقاء " أو " الحلفاء" لتوقيع اتفاقيات عدم اعتداء لتثبيت شرعية دورها واندماجها في المنطقة أو اندماج الآخرين معها ، دون أي تقدم على مستوى حل القضية الفلسطينية . والنقطة الأهم ، كلما ذهبت مكونات المنطقة الى صراعات عرقية ، مذهبية ، طائفية ، دينية ، كما يحصل في سوريا وغيرها ، وما ستفرزه العملية التركية ، وما يجري في العراق ، كلما تقدّم مشروع اسرائيل خطوة الى الأمام !!

مواضيع ذات صلة

قال غــــــــانـــــــدي
مختارات صحافية
المنبر الحر
كاريكاتور
عين المنبر
أسعار العملات
اعرف برجك