Al Manbar

إستتروا!

صالح حديفه |
03 تشرين الأول 2019

قرأنا في الصحف أن مكتب رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري تقدّم بورقة اقتصادية تحت عنوان "إجراءات إنقاذيّة للأشهر الستة المقبلة". ونُورد في ما يلي تعليقاً على ما تضمّنته هذه الورقة "الإنقاذية" من اقتراحات، وهي بحسب ما نُشر:

  • "الاستقرار النقدي وخفض عجز ميزان المدفوعات" من خلال "تأمين خطوط ائتمان بالعملة الأجنبية"، و"الاكتتاب بسندات الخزينة ‏بالعملات الأجنبية".

والسؤال هنا، هل زيادة الدين العام هو الحل لبلد يصنّف الثالث من حيث المديونية في العالم، وترهقه الفوائد العالية لهذا الدين؟

  • "استقطاب استثمارات خارجية جديدة" من خلال "الشراكة بين القطاعين العام والخاص"، و"تشركة القطاعات الخدماتية وتحريكها من خلال إشراك القطاع الخاص في ملكيّتها وإدارتها".

لكن أي قطاع خاص نريد إشراكه في القطاع العام، هل هي الشركات ذات المحسوبيات السياسية والزبائنية؟ وهل هناك تكافؤ في نظام الشراكة بين القطاعين العام والخاص؟ وهل تجارب الخصخصة السابقة كانت مميزة؟

  • "الاستقرار المالي"، من خلال "تطبيق دقيق لموازنة 2019"، "إقرار إطار مالي متوسّط الأمد"، "إقرار موازنة 2020 في مواعيدها"، "وضع سقف لدعم مؤسسة كهرباء لبنان" وصولاً إلى "صفر" دعم في عام 2022‏، و"تخفيض النفقات خارج خدمة الدين العام"، و"تجميد زيادة الرواتب والأجور لمدة ثلاث سنوات".

ونسأل من منَعَ تطبيق موازنة 2019 المقرّ قانوناً؟ ومن يمنع إقرار موازنة 2020 في مواعيدها؟ ولماذا خفض النفقات ما عدا تلك المتعلقة بالدين، فهل فقط المواطنون عليهم تحمّل خفض النفقات؟ هل خفض الإنفاق يكون بالشح على الناس، والإسهاب في الاستدانة بالمقابل؟ هل وقف زيادات الرواتب هو الحل للناس الذين بالأساس لا تكفيهم رواتبهم للعيش؟ هل نذهب لتفجير الشارع؟

  • على صعيد الإيرادات، "زيادة تعرفة كهرباء لبنان"، "زيادة الضريبة على القيمة المضافة إلى 15%"، "زيادة الرسم على التبغ والتنباك والمشروبات الروحية"، "زيادة الحسومات التقاعدية"، "وضع وإقرار قانون التسوية الضريبية"، "تحسين الجباية ورفع مستوى الالتزام الضريبي".

وهنا نسأل أيضًا، هل رفع تعرفة الكهرباء قبل أن معالجة أزمة القطاع هو الحل؟ هل ندفّع الناس فواتير مضاعفة لكهرباء لا تأتي؟ أليس الحل أولاً بوقف السرقة والهدر وشراء الفيول وصفقات البواخر؟ وهل تحميل الناس - الذين سيتم تجميد زيادة رواتبهم- ضرائب إضافية سيجعلهم يقبلون بذلك، أم سيجرّهم إلى الشارع مجدداً؟ ومن منع إقرار القوانين الضريبية الإصلاحية حتى تأخرت حتى اليوم؟

  • "الإصلاح المالي"، من خلال "قانون إصلاح نظام التقاعد"، "مرسوم نظام موحّد للتقديمات الاجتماعية"، "إنشاء حساب موحّد للخزينة تودع فيه جميع الأموال العامة لتأمين رقابة ‏وإدارة فعّالتين".

في هذا المجال فإن المستفيدين من التقديمات الاجتماعية بشكل غير منطقي، معروفون، عددهم قليل جداً، أما الموظفون العاديون فجُلّ ما يتقاضونه من تقديمات لا يوازي ملحقات راتب أحد النافذين المحظيين بمحسوبية. لتُترَك أجهزة الرقابة المالية والإدارية الحالية تقوم بعملها. ولتُرفَع الأيدي القابضة على النيابات العامة والقضاء، وستكون أموال الدولة بخير والرقابة على أتم ما هو مطلوب.

  • "تحديث القوانين والإجراءات الضريبية والمالية"، من خلال "إقرار قانون جديد للجمارك"، "قانون حديث للمشتريات العامة مع دفاتر شروط نموذجية"، "قانون الضريبة الموحّدة"، "تطوير قانون الإجراءات الضريبية بما يحقق تبسيط الإجراءات ورفع ‏مستوى الالتزام الضريبي".

ونسأل كذلك: من يمنع الجباية؟ من يتهرّب من الضرائب؟ من يغطي المتهربين؟ من يحمي الذين لا يدفعون؟ الناس؟؟!! أم النافذين من السياسيين؟ ماذا عن المعابر غير الشرعية؟ ومن يغطّي التهريب والتهرب عبر المعابر الشرعية؟؟

  • "الإسراع في تنفيذ خطة الكهرباء"، من خلال "الإسراع في تلزيم معامل الإنتاج"، "عقد اجتماعات دورية للجنة الوزارية لمواكبة تنفيذ خطة الكهرباء"، "تعيين رئيس وأعضاء مجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان"، و"تعديل القانون 462 وإقراره في مجلس النواب وتشكيل الهيئة الناظمة".

ويحقّ لنا أن نسأل: خطة الكهرباء أُقرت في مجلس النواب، فلماذ لم تنفّذ بعد؟ من يعرقلها؟ لماذا لم يتم تعيين مجلس إدارة المؤسسة؟ من منع ذلك؟ لماذا التهرّب من الهيئة الناظمة؟ هل المواطنون الذين سيتم رفع التعرفة عليهم، هم المسؤولون عن كل ذلك؟ هل العجز في الكهرباء سببه الناس؟

  • "البدء بعملية بيع أو استثمار العقارات المملوكة من ‏الدولة بعد تحديد حاجة الإدارة لها".

إذا كان هناك من أملاك غنيّة للدولة، فهل بيعها هو الحل؟ أليس الاستثمار بشروط تعود على الخزينة بأرباح وتبقي الملكية للدولة هو الحل البديهي؟ هل من ثقة بأن الأموال التي ستأتي من بيع الدولة لن تُهدر كما أُهدرت المليارات قبلها؟

  • "رفع تقارير عن المؤسسات العامة والمصالح المستقلة والهيئات التابعة لها يتضمن مهامّها ‏ومدى الحاجة إليها وإمكانية إلغائها أو دمجها"، و"مراجعة موازنات المؤسسات والمرافق العامة بهدف تخفيض نفقاتها وزيادة إيراداتها".

الواقع أن غالبية هذه المؤسسات تخضع لآلية التوزيع الطائفي والمحاصصة السياسية، فهل إذا أقفلنا مؤسسة عامة يتولّى إدارتها شخص من طائفة معيّنة، سنقفل أخرى لضمان التوزيع الطائفي حتى لو كانت مؤسسة مُنتِجة؟ الناجحون في مبارايات مجلس الخدمة المدنية من الفئتين الخامسة والرابعة لا يُعيَّنون لأن التوزيع الطائفي "غير متوازن"، فكيف بمدراء عامّون ورؤساء مجالس إدارة وإقفال ودمج مؤسسات عامة؟ من يضمن ذلك؟

  • "تحديد المؤسسات التي ستتم تشركتها وتلك التي يمكن للدولة تحريرها أو خصخصتها كلياً أو جزئياً، وأبرز المرافق ‏الممكن المباشرة في خصخصتها كلياً أو جزئياً هي شركتا الخلوي وليبان تلكوم وشركة طيران الشرق الأوسط وشركة ‏الشرق الأوسط لخدمة المطارات وكازينو لبنان وإدارة حصر التبغ والتنباك ومرفأ بيروت وباقي المرافئ".

إذا كان كازينو لبنان، وطيران الشرق الأوسط، والريجي، من النماذج القليلة في الدولة للقطاعات المربحة، فهل بيعها هو الحل؟ ولنسلّم جدلاً أن هناك بعض الأخطاء في مؤسسات عاملة منتجة، فهل المعالجة تكون بعرضها للبيع؟ أم بالمراقبة والمحاسبة والمتابعة والتوجيه والإشراف والبناء على الإيجابيات وبرفع الضغوط السياسية عنها، وبجعلها نموذجاً لباقي القطاعات العامة؟

دولتكم. لا شك في أنكم لا تتحملون عبء كل هذه الأزمة المستفحلة في الدولة بمفردكم. لا شكّ في أن البلد في ضائقة ما بعدها ضائقة، والأمر يستوجب إجراءات موجعة.

ولا شكّ طبعاً بأنّ الحلول لن تكون جميعها شعبيّة. لكن على الأقل فلتكن حلولاً منطقية، وإجراءات مجدية، وقرارات مُقنعة، وتدابير مبررة، وترتيبات مضمونة النتائج. لأن النتائج المتوقّعة لما هو مقترح في هذه الورقة، وبأقل تقدير، ستكون رهن البلد للقطاع الخاص وللدائنين، وتفجيره اجتماعياً وشعبياً. ونحن على ثقة أنكم لا تريدون ذلك،

لذلك أعيدوا قراءتها جيداً، أخرِجوا من التداول كل ما هو "تفجيري". واحتكموا إلى القول المأثور: "إذا ابتُليتم بالمعاصي فاستتروا!"

مواضيع ذات صلة

الثمن المطلوب
لا يمكن القول إن ما يجري في الشارع من انتفاضة شعبية غير مسبوقة، هو وليد حقوق الناس ومطالبهم الناجمة عن تراكمٍ قاتل في أخطاء إدارة الحكم والحكومة والبلاد في اليوم الأول، ثم في اليوم التالي أن تخرج وتقول إنّ ما يجري هو بمقام "المؤامرة"
28 تشرين الأول 2019

"متلازمة ستوكهولم" اللبنانية
لماذا لا يمكن للبنان أن يكون مثل تونس على سبيل المثال؟! لا مشكلة لدينا أن نكون كتونس، ونقبل ما في النظام التونسي من شوائب، فهي على ذلك أفضل بكثير من نظامنا الطائفي الزبائني المقيّد تقييداً كلّياً بأثقال "الميثاقية" – في تفسيرها الطائفي الابتزازي
05 تشرين الأول 2019

"هيبة الدولة"
في تطور مستغرب جداً في بلد يفاخر بحرياته ويتباهى رئيس جمهوريته بإقرار مطلبه إنشاء "أكاديمية الإنسان للحوار والتلاقي" في الأمم المتحدة، تحوّل النقاش في مجلس الوزراء الذي انعقد برئاسة فخامة الرئيس إلى التفكير في كيفية الاقتصاص من الإعلام
04 تشرين الأول 2019

شروط إنجاح الحراك الشعبي الجديد
في العام 2015 نزل عدد كبير من اللبنانيين إلى الشارع بوجه الطبقة السياسية، والسبب كان آنذاك رفض الفساد والسرقة والفضيحة في ملف النفايات. ثم أُجهض الحراك، بعد أن قدّم القيّمون عليه لمُجهضيه خدماتٍ جلّى ساعدت في عملية الإجهاض سريعاً.
01 تشرين الأول 2019

قال غــــــــانـــــــدي
مختارات صحافية
المنبر الحر
كاريكاتور
عين المنبر
أسعار العملات
اعرف برجك