Al Manbar

تحالف إنقاذ الدولة

 غازي العريضي |
02 تشرين الأول 2019

مهم جداً التوجه نحو تشكيل لجنة تحقيق برلمانية في الارتكابات في قطاع الاتصالات التي كلّفت الخزينة اللبنانية عشرات ملايين الدولارات حسب ما خلصت إليه لجنة الاتصالات النيابية، وخطيرة المعلومات التي أدلى بها رئيسها وحمّل مسؤولية تبعاتها لبعض الوزراء المتعاقبين الذين كُلّفوا بإدارة القطاع والإشراف عليه. لكن الأهم كنقطة أولى ألاّ يكون استنساب، بمعنى أن لا يتم تناول حقبة معينة وتجاهل غيرها. وألا يتم تناول سلوك وزير وتجاهل غيره. وألا يكون استنساب في متابعة القضايا والملفات. فإذا كان المقصود من وراء تشكيل لجنة تحقيق نيابية الوصول إلى حقيقة أسباب الهدر وتحديد المسؤولين عنه، فهذا واجب ينبغي القيام به، وهو المدخل الصحيح لمعالجة الأزمة الاقتصادية الاجتماعية ويستوجب فتح كل الملفات من الكهرباء، إلى التهريب، والتهرّب الضريبي، والمرافئ والمعابر الشرعية وغير الشرعية، والصفقات في الوزارات والمؤسسات المعنية بتنفيذ مشاريع، وغيرها وغيرها ...

أما إذا ذهبت الأمور في اتجاه تشكيل لجنة تحقيق في قضية معينة يتهم فيها "أخصامنا" في السياسة ويتمّ غض النظر في المقابل عن القضايا التي تخص "حلفاءنا"، فهذه إدانة لأصحاب المبادرة من جهة، ودفن لأي أمل بتكريس مبدأي الرقابة والمحاسبة، ووضع حد لهدر المال العام من جهة ثانية !!

نعم لمقاربة كل الملفات. ولا للتهرّب من مقاربة أي منها لسبب سياسي. وضع البلد لا يحتمل إذا كنا جديين. وامتحان صدق والتزام القوى السياسية في الإصلاح، وحماية المال العام هو في اعتماد معيار واحد في متابعة القضايا. آن الأوان لرسم خط فاصل بين ما كان يجري وما يجري اليوم وما ينبغي أن تكون عليه الأمور، التي إن استمرت على ما هي عليه، فلن تبقى دولة ولن تبقى مؤسسات وستكون الفوضى الشاملة في البلاد، والفوضى كما أكرر دائماً هي أخطر من الحرب. نعم أخطر من الحرب. بإمكان أي فريق، أي جهة، الدخول على خطها، والعمل في ظلها لضرب أمن واستقرار واقتصاد البلد دون أن يصل أحد الى الحقيقة!! ساعتئذ تكون حالة الضياع الكبرى. ولا يستطيع أحد في البلد أن يبرئ نفسه من المسؤولية والإدعاء أنه ومن معه معصومون عن الخطأ أو منزّهون، أو مميّزون، كما لا يجوز التعميم في تناول أي قضية. ولا تنفع "المعزوفات" اليومية التي يطلقها بعض المسؤولين "أن ثمة مؤامرة علينا وعلى البلد" و"أننا مستهدفون لأسباب سياسية". السبب بسيط: كل فريق بإمكانه قول الكلام ذاته!! المشكلة عندما تسقط مؤسسات الرقابة والمحاسبة، عندما تغيب مؤسسات الدولة، تنتهي الأمور بتقديم مثل هذه الأعذار والتبريرات فضلاً عن تداخل الحسابات الطائفية والمذهبية والاستنفارات التي تحصل في البلاد كلما كانت محاولة محاسبة لمرتكب في مجال من المجالات.

المشكلة أن الذين يصلون الى السلطة ويمارسون التسلّط والتفرّد ويطلقون الوعود بحل كل المشكلات، والقدرة على مواجهة كل التحديات، ويتهمون كل الآخرين بالفساد والإرتكابات و"هدم الدولة"، ويدخلون في الوقت ذاته في البازار لممارسة الاستئثار والاحتكار، سيقعون بسرعة، وهذا أمر طبيعي وتجربتنا الحالية خير دليل عليه!!

يجب في مواجهة أي مشكلة أن نذهب إلى تشخيص "الحالة صح" لتشخيص "الحل الصح". أما الإنكار وممارسة سياسة الهروب الى الأمام ونبش المواد القانونية من هنا وهناك لمحاسبة من يعلّق بكلمة أو موقف على واقع الحال فهو عجز وإمعان في الإدارة الخطأ. لاسيما، وأن الذين يفعلون ذلك، لم يتوانوا تحت عنوان حرية التعبير عن الرأي في النزول إلى الشارع وقول أقسى وأبشع الكلام وشن أشرس الحملات متجاوزين كل هذه المواد. وهذا استنساب من نوع آخر، ولن يكون حل في ظله.

نعم، للجان تحقيق نيابية، ولمحاسبة قضائية سليمة وحازمة في مواجهة المتسببين بالهدر وممارسي الفساد. وليكن "التحالف" أو "التفاهم" الأهم في هذه المرحلة: تحالف إنقاذ الدولة ومؤسساتها وحماية كرامة ومصالح المواطن ومستقبله!!

قال غــــــــانـــــــدي
مختارات صحافية
المنبر الحر
كاريكاتور
عين المنبر
أسعار العملات
اعرف برجك