Al Manbar

شروط إنجاح الحراك الشعبي الجديد

صالح حديفه |
01 تشرين الأول 2019

في العام 2015 نزل عدد كبير من اللبنانيين إلى الشارع بوجه الطبقة السياسية، والسبب كان آنذاك رفض الفساد والسرقة والفضيحة في ملف النفايات. ثم أُجهض الحراك، بعد أن قدّم القيّمون عليه لمُجهضيه خدماتٍ جلّى ساعدت في عملية الإجهاض سريعاً.

اليوم وفي العام 2019، وبعد أربع سنوات، يعود اللبنانيون إلى الشارع مِن جديد. وهذه المرة السبب هو إفلاس الدولة كنتيجة حكمية للفساد والسرقة في المال العام والهدر في قطاعات الدولة والإدارة الفاشلة لها. ومرة جديدة يسعى بعض الطبقة السياسية إلى إفشال الحراك المستجد. وأولى علائم محاولات الإفشال، ما حصل بُعيد ساعات على انطلاق التظاهرات يوم الأحد الماضي، من تخريبٍ وفوضى، ما أتاح للقوى الأمنية الإطباق على المتظاهرين.

مما لا شك فيه أنّ الحالة اليوم أخطر بكثير على مستوى وجودية الدولة ممّا كانت عليه في العام 2015. وبالتالي على الحراك الجديد أن يكون أكثر وعياً وتنبّهاً لما هو مُقبلٍ عليه، ولما سيواجهه من مخُطَّطات لإفشاله، فهذه السلطة لم تنجح في شيء إلاّ في الفشل والإفشال. وهي في هذا السياق مُبدعة إلى ما بعد حدود الإبداع، تخترع الأفكار العبقرية لوقف أي تحرك شعبي قد يطالها، لكنها للمفارقة ليست مستعدة للتفكير ولو لبرهة في كيفية إدارة الدولة بشكل سليم يوقف الخطر عن الدولة.

في مجمل الأحوال، اللبنانيون لم يعد أمامهم من خيارات. لقد أوصلتهم الإدارة السيئة للمتحكّمين بالدولة عن سابق إرادة وتصميم إلى حضيض الهاوية. والخيار الوحيد المتاح هو الانتفاضة على أهل الحكم لإعادة الأمور إلى مسارٍ يخرج البلاد من جحيم الأزمة. لكن المطلوب أن تكون هذه الانتفاضة مدروسة بأدقّ التفاصيل، لكي لا يتكرر مشهد انقضاض المتربصين عليها.

وعليه، ليس بالضرروة أن تكون كل أشكال الانتفاضة تظاهراتٍ في الشارع يمكن للمندسّين أن يستغلوها لتعميم الفوضى، بل المطلوب التفكير بأساليب أخرى لإيصال رسالة حاسمة للحكام، ليس فقط عبر التظاهر - دون إسقاط هذا الأسلوب طبعاً. إذ يمكن اللجوء إلى أنواع مختلفة من العصيان المدني، كمقاطعة مؤسسات الدولة وإداراتها على سبيل المثال لا الحصر. فعلى الشعب أن يكون مُبدعاً بدوره في وجه سلطة برعت في التحكم به واستغلاله ونهب مقدرات الدولة حتى وصلنا إلى ما هو عليه.

ومما يجب الانتباه إليه أيضًا على مستوى التحرك الجديد، عدم التعميم في مواجهة كل الأحزاب الموجودة راهناً ومقارعتها وتحميلها المسؤولية بالمستوى نفسه، فذلك من شأنه كذلك أن يعطي السلطة مدخلاً إلى إفشال الحراك عبر استنفار الشوارع الحزبية، وهي ليست بقليلة العدد، وبالتالي جرّ الأمور إلى مواجهة شعبية - شعبية تقضي على الهدف المنشود في إصلاح أحوال البلاد.

ثم إنّ تكبير الأهداف كمِن قبيل "إسقاط النظام" أو "إقالة الرئيس" من شأنه أيضاً استنفار غرائز وعصبيات سياسية وطائفية بوجه الحراك، وهذا سيؤدي حكماً إلى فشله.

خلاصة القول، ولكي لا نغرق في الإسهاب بتعداد الأمثلة عمّا يجب تجنّبه في الحراك الجديد، إنّ على الذين يتولون الدعوة للتظاهرات والاعتصامات الجديدة أن يتعلّموا جيداً من تجربة الحراك في العام 2015، وأن يتفادوا ما أودى به إلى نهاية دون نتيجة، وأن يدرسوا الأخطاء التي وقع بها، وأن يمعنوا في تحليل الأساليب التي لجأت من خلالها السلطة لإفشاله حينذاك. إن قراءة تلك التجربة بعين النقد البنّاء الموضوعي البعيد عن الغرور والمكابرة والتعميم، وعن استعداء الناس وتضخيم الأهداف، هي قراءة ضرورية ومطلوبة للخروج بتحرك جديد أفضل، يملك فرصةً حقيقية في الوصول إلى مبتغاه، ويشكّل أملاً فعلياً للبنانيين بقدرتهم على وقف التدهور القاتل في دولتهم، قبل فوات الأوان.

مواضيع ذات صلة

الثمن المطلوب
لا يمكن القول إن ما يجري في الشارع من انتفاضة شعبية غير مسبوقة، هو وليد حقوق الناس ومطالبهم الناجمة عن تراكمٍ قاتل في أخطاء إدارة الحكم والحكومة والبلاد في اليوم الأول، ثم في اليوم التالي أن تخرج وتقول إنّ ما يجري هو بمقام "المؤامرة"
28 تشرين الأول 2019

"متلازمة ستوكهولم" اللبنانية
لماذا لا يمكن للبنان أن يكون مثل تونس على سبيل المثال؟! لا مشكلة لدينا أن نكون كتونس، ونقبل ما في النظام التونسي من شوائب، فهي على ذلك أفضل بكثير من نظامنا الطائفي الزبائني المقيّد تقييداً كلّياً بأثقال "الميثاقية" – في تفسيرها الطائفي الابتزازي
05 تشرين الأول 2019

"هيبة الدولة"
في تطور مستغرب جداً في بلد يفاخر بحرياته ويتباهى رئيس جمهوريته بإقرار مطلبه إنشاء "أكاديمية الإنسان للحوار والتلاقي" في الأمم المتحدة، تحوّل النقاش في مجلس الوزراء الذي انعقد برئاسة فخامة الرئيس إلى التفكير في كيفية الاقتصاص من الإعلام
04 تشرين الأول 2019

إستتروا!
قرأنا في الصحف أن مكتب رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري تقدّم بورقة اقتصادية تحت عنوان "إجراءات إنقاذيّة للأشهر الستة المقبلة‎". ونُورد في ما يلي تعليقاً على ما تضمّنته هذه الورقة "الإنقاذية" من اقتراحات، وهي بحسب ما نُشر:
03 تشرين الأول 2019

قال غــــــــانـــــــدي
مختارات صحافية
المنبر الحر
كاريكاتور
عين المنبر
أسعار العملات
اعرف برجك