Al Manbar

جاك شيراك وداعاً

 غازي العريضي |
30 أيلول 2019

نودّع مع فرنسا اليوم آخر كبارها في العصر الحديث الرئيس جاك شيراك. نودّعه لبنانيين وعرباً وخصوصاً فلسطينيين. جاك شيراك الديغولي وقف إلى جانب لبنان في أصعب أيامه. حمى أمنه واستقراره وحقه في تحرير أرضه. حمى مقاومته التي صمدت في وجه الإرهاب الاسرائيلي عام 1996 عندما نفذ عملية عناقيد الغضب وكانت ولادة "تفاهم نيسان" الذي كرّس شرعية المقاومة، على يد وزير خارجيته آنذاك إيرفيه دوشاريت!! كان موقفاً نبيلاً تكاملت فيه الدبلوماسية، والعلاقات اللبنانية - الفرنسية، ودور فرنسا، وتحديداً فرنسا شيراك مع صمود المقاومة والشرعية الدولية التي كانت أساساً من الأسس التي نستند إليها في جهادنا ضد اسرائيل لتحرير أرضنا من احتلال جيشها الإرهابي.

جاك شيراك وقف الى جانب لبنان في مواجهة أزماته الاقتصادية الاجتماعية المالية. كان عنصراً من عناصر الثقة الأساسية في مسيرة إعادة إعمار لبنان التي  قادها الرئيس الشهيد رفيق الحريري. وصاحب الدور الأساس لاحقاً في عقد المؤتمرات الداعمة للبنان في باريس. زار لبنان مراراً. التقى قادته ورموزه وألقى خطاباً مهماً في المجلس النيابي. تميّزت كل خطواته السياسية والاقتصادية والمالية بالحرص على لبنان واستقراره وازدهاره وحمايته، وإذا كان البعض قد أخذ عليه علاقته الوثيقة بالرئيس الشهيد الحريري واتهموه بالانحياز له، فقد كان موقفهم منطلقاً من زاوية حسابات ضيقة لم تخدم لبنان ولا تخدمه في أي مرحلة من المراحل وتحديداً اليوم. تلك العلاقة خدمت لبنان. وخدمت سوريا كثيراً في مراحل مفصلية كانت تمر بها وكان لرفيق الحريري دور في ذلك. وعندما اغتالوه، كان جاك شيراك الأوفى للصداقة والمبادئ والقيم الإنسانية والرافض للإرهاب ومنطق القوة واللجوء الى الاغتيال السياسي لشطب شخصية سياسية فاعلة ومؤثرة ومحاولة الغاء دور.. وقد عبّر عن ذلك بخطوات جدية وعمل حثيث لرفض ومنع مسلسل الاغتيالات في لبنان الذي استهدف شخصيات من لون واحد رافض لمصادرة قرار البلد ومحاولات إخضاعه!! تحرك شيراك في كل الاتجاهات لإقرار محكمة دولية، وهو المدرك لتوازنات المنطقة ومعادلاتها، واتجاهات الرياح السياسية فيها، ولم تكن لديه أوهام، لكنه سعى لتشكيل إطار يلجم مسلسل الاغتيال ويشكل ضغطاً على القتلة والإرهابيين!!

جاك شيراك العربي. موقف ثابت مع القضية الفلسطينية وحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على أساس القرارات الدولية. صدام مع العسكر الاسرائيلي في قلب القدس وتهديد رئيس الحكومة الاسرائيلية بقطع زيارته وإعلان موقف صارخ ضد محاولات استفزازه خلال الزيارة. تحذير للرئيس الأميركي جورج بوش أثناء لقائه به بعد انقطاع وخلاف طويلين بسبب الحرب على العراق ورفضه تدميره واحتلاله على أيدي الأميركيين، "كان موقفه مشرفاً وخطاب وزير خارجيته دومينيك دو فيلبان على منبر الأمم المتحدة من أبلغ الخطابات التي قيلت"، وسبب اللقاء الأساسي على هامش أعمال لقاء النورماندي حماية لبنان وتحذير من محاولة الاسرائيليين شطب ياسر عرفات. (وهذا ما حصل لاحقاً).

تأكيد دائم: "الهدف في كل الأوقات ومهما كات الظروف إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة" ... "إلى القدس مدينة المقدسات الثلاث. أفهم الجاذبية التي تميزّها. مدينة مقدسة للمسلمين والمسيحيين واليهود. يجب المحافظة على التنوّع فيها وعلى هويتها المميزة. الحل للقدس لا يكون لا دينياً ولا وقومياً"!!

جاك شيراك بقي حتى آخر لحظة في موقعه الرئاسي، وفي حضوره السياسي يؤكد حق الشعب الفلسطيني ويرفض الممارسات الاسرائيلية الإرهابية ضده. وبنى علاقات مع غالبية الدول العربية وكان وفياً لها وهذا ما أثار الأميركيين والاسرائيليين أكثر من مرة وذهبوا الى استفزازه وانتقاده.

جاك شيراك في هذا السياق كان يقول: "لدي مبدأ بسيط في السياسة الخارجية. أنظر الى ما يفعله الأميركيون وأفعل عكسه وأكون واثقاً أنني على حق"!!

جاك شيراك كان هكذا لأنه كان ضد العنصرية وقلقاً من تمدّدها في المجتمعات الأوروبية. كان ينبذها ويؤكد "أنها مناقضة لعقدنا الاجتماعي وللأخلاق والقيم التي نتمسك بها.. "، وحذّر من خطرها على وحدة المجتمعات.

أما على مستوى القيادة السياسية فهو كان يميّز بقوة بين رجل السياسة والرجل العامل في السياسة. "رجل السياسة بامتياز هو الرجل الفاعل، الحيوي، الدينامي. أن تقول عن رجل أنه فاعل وحيوي هو المديح الأكبر له" ... "أما العامل في السياسة فهو الذي يفكر في إطار ضيق، حساباته ضيقة" ... "مميز بالدس والكيدية!! فلا يمكن أن تكون رجل دولة إذا لم تحفظ شيئاً من التوازن".

كلام بليغ، ودقيق إذا ما تطلعنا الى بعض العاملين في السياسة عندنا وعند غيرنا، والى بعض مدّعي صفة رجال الدولة وهم مميزون بفقدانهم توازنهم!!

جاك شيراك وداعاً ....

مواضيع ذات صلة

الثمن المطلوب
لا يمكن القول إن ما يجري في الشارع من انتفاضة شعبية غير مسبوقة، هو وليد حقوق الناس ومطالبهم الناجمة عن تراكمٍ قاتل في أخطاء إدارة الحكم والحكومة والبلاد في اليوم الأول، ثم في اليوم التالي أن تخرج وتقول إنّ ما يجري هو بمقام "المؤامرة"
28 تشرين الأول 2019

"متلازمة ستوكهولم" اللبنانية
لماذا لا يمكن للبنان أن يكون مثل تونس على سبيل المثال؟! لا مشكلة لدينا أن نكون كتونس، ونقبل ما في النظام التونسي من شوائب، فهي على ذلك أفضل بكثير من نظامنا الطائفي الزبائني المقيّد تقييداً كلّياً بأثقال "الميثاقية" – في تفسيرها الطائفي الابتزازي
05 تشرين الأول 2019

"هيبة الدولة"
في تطور مستغرب جداً في بلد يفاخر بحرياته ويتباهى رئيس جمهوريته بإقرار مطلبه إنشاء "أكاديمية الإنسان للحوار والتلاقي" في الأمم المتحدة، تحوّل النقاش في مجلس الوزراء الذي انعقد برئاسة فخامة الرئيس إلى التفكير في كيفية الاقتصاص من الإعلام
04 تشرين الأول 2019

إستتروا!
قرأنا في الصحف أن مكتب رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري تقدّم بورقة اقتصادية تحت عنوان "إجراءات إنقاذيّة للأشهر الستة المقبلة‎". ونُورد في ما يلي تعليقاً على ما تضمّنته هذه الورقة "الإنقاذية" من اقتراحات، وهي بحسب ما نُشر:
03 تشرين الأول 2019

قال غــــــــانـــــــدي
مختارات صحافية
المنبر الحر
كاريكاتور
عين المنبر
أسعار العملات
اعرف برجك