Al Manbar

عملية البقيق وابتزاز أميركا

 غازي العريضي |
18 أيلول 2019

أصيبت المملكة العربية السعودية بضربة قوية سياسية معنوية مالية اقتصادية بعد استهداف معملي النفط في البقيق، وحقل خريص التابعين لشركة "أرامكو" في المنطقة الشرقية. الضربة هزّت الأسواق النفطية المالية العالمية وخلقت ردات فعل قوية وطرحت علامات استفهام وأسئلة كثيرة حول مستقبل الوضع في المنطقة في المدى القصير. الحوثيون أعلنوا مسؤوليتهم عن العملية وقالوا: "بنك أهدافنا يتسّع يوماً بعد يوم  وضرباتنا ستكون أكثر إيلاماً!! واستهداف حقلي بقيق وخريص يأتي في إطار الردّ المشروع والطبيعي على جرائم العدوان". (يعتبرون ردّهم مشروعاً بعد اتهام التحالف بقيادة السعودية بقصف سجن في صنعاء، والتسبّب بقتل وجرح عدد كبير من السجناء الذين كان يتم تحضيرهم لإطلاق سراحهم في إطار عملية تبادل للأسرى مع التحالف، وبقصف مستشفيات ومدارس ومنشآت مدنية ذهب ضحيتها عدد كبير من المواطنين)، وحذّروا الإمارات بالقول: "على الإمارات أن تقرأ جيداً رسالة العملية النوعية"!!

السعودية تحدثت عن أسلحة إيرانية استخدمت في العملية. ودعت الى لجنة خبراء سعوديين ودوليين للتحقيق والتدقيق في مصدر إطلاق الطائرات المسيّرة!!

أما الولايات المتحدة فقد ذهبت الى إتهام إيران مباشرة، معتبرة أن لديها صوراً تؤكد التورط الإيراني ومشيرة الى أن الطائرات أطلقت من العراق!!(وبغض النظر عن العملية وإتهام إيران بها، فإن الأجهزة الأمنية الأميركية تريد استهداف العراق من خلال اتهامه بالالتزام بالسياسة الإيرانية، كما تريد استهداف الحشد الشعبي الذي أمره رئيس الحكومة عادل عبد المهدي بتسليم أسلحته ونقلها الى مخازن تابعة للجيش لتجنب تعرّضه لمزيد من الضربات الاسرائيلية التي لا يمكن الردّ عليها مباشرة، فكان اللجوء الى محاولة قطع الطريق على اسرائيل ومنعها من توجيه الضربات من خلال اعتبار الحشد مؤسسة من المؤسسات الشرعية العراقية وسلاحه في مخازنها!!)

الرئيس الأميركي وعلى عادته ذهب مباشرة الى ممارسة حرفته، الابتزاز. لا احترام لحلفاء وشركاء. السعودية ضربت؟؟ ماذا نفعل؟؟ "أعتقد أن جزءاً كبيراً من المسؤولية يقع على السعودية في الدفاع عن نفسها!! أنا لم أعدهم بالحماية. إذا كان هناك حماية منّا للسعودية فإنه يقع على عاتقها أيضاً أن تدفع قدراً كبيراً من المال  أعتقد أن السعوديين يجب أن تكون لهم مساهمة كبيرة إذا ما قررنا اتخاذ أي إجراء. عليهم أن يدفعوا. هم يفهمون ذلك جيداً".

هكذا علّق ترامب الذي أشار الى أن "أميركا أصبحت الأولى عالمياً في إنتاج النفط والغاز، فلم تعد بحاجة الى إرسال الكثير من الناقلات الى الشرق الأوسط".

أما عن إيران، فقد كان كلامه بالغ الدلالات والوضوح: "إن الدبلوماسية لا تستنفد أبداً عندما يتعلق الأمر بإيران".

الموقف واضح: لن ننجر الى حرب مع إيران بسبب السعودية. ذاهبون الى التفاوض معها حول مصالحنا. حول الاتفاق النووي. الدبلوماسية هي الخيار. لا حرب مع إيران. وإذا أرادت السعودية أن نحميها فعليها أن تدفع المال. المال. المال. المال. هذا ما نريده. وليس ثمة مجال لأحد أن يبتزنا بالنفط. السعودية هي التي ستشتري النفط من الأسواق!! نحن لدينا مخزون كبير. لسنا معنيين بحماية الناقلات. كل شيء بثمنه. تريدون الحماية ادفعوا المال. وإلا تحملوا أنتم مسؤولية الدفاع عن أنفسكم!! هذا هو الابتزاز المفتوح الذي يمارسه ترامب مع المملكة وبطريقة مهينة وهو سبق أن قال: "لولانا لما تمكنوا من الاستمرار أسبوعين بل لأصبحوا يتحدثون الفارسية"!!

إنه ازدراء ووقاحة!! وقاحة بالصراحة مع كل ما فيها من إهانات!! وفي الوقت ذاته تتوالى التهديدات الأميركية للسعودية بتحميلها مسؤولية العمليات الإرهابية التي نفذت في 11 أيلول 2001 في أميركا، من خلال إعلان إمكانية عدم إعدام محمد الشيخ المتهم الرئيسي لقاء وعده بتقديم إفادة جديدة يتهم فيها السعودية رسمياً، ثم بالاعلان منذ يومين عن الاستعداد لكشف اسم ثالث من منفذي العمليات الذي كان على صلة مع مسؤول سعودي رسمي كبير!! يعني الذهاب الى اتهام المملكة لابتزازها وتدفيعها مبالغ مالية خيالية كتعويضات لعائلات ال 3000 ضحية وممتلكاتهم!!

هكذا تعامل أميركا السعودية. وهكذا تتفرج اسرائيل وتستغل. عملية البقيق مؤشر خطير. نحن أمام مشروع إفقار السعودية واستنزافها وابتزازها وستكون انعكاسات ذلك سلبية جداً علينا جميعاً في المنطقة!! في المقابل يعلن الحوثي مكافآت مالية للاعبي المنتخب اليمني في مونديال قطر 2022.

فهل نتوقع وقفة تفكير وتأمل بهذه السياسة الأميركية الاسرائيلية الخبيثة وقرارات توقف الانهيار؟؟

إن ما جرى يذكرني، بما كتبته عام 1992 والوارد في كتابي "لبنان الثمن الكبير للدور الصغير" في الصفحة 140، نقلاً عن كيسنجر بعد حرب الـ 1973 واستخدام السعودية سلاح النفط، وقتل الملك فيصل في قصره لأنه اتخذ القرار الكبير الشجاع: "سنعيد أولئك البدو الى خيامهم وسنعيد كل دولار قبضوه ودفعته الشعوب المتقدمة. النفط ملك الحضارة لا ملك القابعين عليه. إن المال بدأ يعود الى خزائنه الأولى وسيظل يعود حتى لا يبقى في خزائن أولئك البدو ما يعيشون به وعليه. سوف يستدينون فنسترهن مخزون النفط بعد أن استعدنا ما دفعنا أو دفع الآخرون"!!

ماذا فعلت أميركا وماذا تفعل غير ذلك؟؟ للأسف بدأت تحقق أهدافها. ماذا فعلت اسرائيل؟؟ أين هي اسرائيل الشريكة في ضمان استقرار المنطقة كما يقول البعض، وقد سميت ذلك مراراً عملية غسل أدمغة بمواد سامة؟؟

آن الأوان لمراجعة عميقة. صعبة. والخيارات ليست سهلة بعد هذا الغرق الكبير والرهان الخطير. آن الأوان لوقف حرب اليمن بأي ثمن  للاتفاق مع إيران من خلال حوار جدي هو أقل كلفة وأكثر ضماناً للمصالح المشتركة من استمرار الحروب المفتوحة وسياسة الابتزاز الأميركية الاسرائيلية التي تريد استخدام العرب وقوداً في حروبها!!

كفى إعلام تضليل وتزوير وتبخير وبطولات وهمية. وكفى تحليلات تمنيات وهروباً الى الأمام، ومكابرة، ثمة خطوات متقدمة تتحقق على طريق إعادة العرب الى البداوة والسيطرة على كل مواردهم ومقدراتهم ومحاولة أخذ فلسطين!!

مواضيع ذات صلة

قال غــــــــانـــــــدي
مختارات صحافية
المنبر الحر
كاريكاتور
عين المنبر
أسعار العملات
اعرف برجك